السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
56
مفاتيح الأصول
عدمه سلَّمنا لكن نمنع من عدم الاستعمال فيما وضع له أولا كما أشار إليه بعض فإن قلت الأصل عدمه قلنا هو معارض بأن الغالب ثبوته فتأمل الثالث أن لفظ الرّحمن موضوع لرقيق القلب كما قاله بعض أو لذي العطف والفضل والإنعام كما قاله العلامة ولم يستعمل فيه بل اختص إطلاقه به تعالى وقد يناقش فيه مضافا إلى ما سبق بالمنع من الاختصاص لقولهم رحمان اليمامة تعنت بالكفر وقول الشّاعر سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا ودعوى أنه مردود في عرف اللَّغة منظور فيه الرّابع أنّه لو كان ذلك شرطا لكان نحو قامت الحرب على ساق وشابت لمة اللَّيل من المركَّبات حقيقة لعدم استعمالها في غير ما يراد منها في الاستعمال المتعارف والتالي باطل وأجيب عنه بوجهين الأوّل أنّه مشترك الإلزام إذ الوضع لمعنى لازم بلزوم المجاز قطعا فيجب أن يكون هذه المركبات موضوعة لمعنى متحقّق وليس كذلك الثاني أنّ التجوز في ذلك في المفردات واستعمالها في معانيها الحقيقية متحقّق فإن كلّ واحد من القيام والسّاق والشيب واللَّمة استعمل في الموضوع له وللقول الأوّل أمران أحدهما أنّ الأصل عدم صحّة التجوز حيث لم يستعمل اللفظ في الموضوع له وفيه نظر لاندفاعه بمصير المعظم إلى القول الأوّل وبتعريف العلماء المجاز باستعمال اللَّفظ في غير ما وضع له أو باللَّفظ المستعمل في غير ما وضع له فتأمل وثانيهما أن وضع اللَّفظ لمعنى من دون استعماله فيه يستلزم خلوّ الوضع عن الفائدة لأن فائدة وضع اللَّفظ لمعنى إنّما هي استعماله فيه وفيه نظر لما أشار إليه السيّد الأستاذ رحمه الله فقال مجيبا عن هذا فيه أن التجوز فيما يناسب الموضوع له من فوائد الوضع وهو حاصل وأنّ الوضع للاستعمال لا يقتضي حصول الاستعمال إذ ليس كلّ ما يقصد من الشيء يترتّب عليه نعم لو اكتفي في صدق الحقيقة بتحقّق الوضع ولم يعتبر فيها الاستعمال على ما يوهمه تعريف بعضهم لها بأنها اللَّفظ الموضوع لمعنى اتجه القول باستلزام المجاز الحقيقة لأنّ المجاز يستلزم الوضع قطعا لكن ذلك خلاف المعروف بينهم كيف وقد صرّحوا بأن اللَّفظ قبل الاستعمال ليس بحقيقة ولا مجاز بالاتّفاق انتهى والمعتمد عندي هو القول الثاني وهل يتوقف الحقيقة على المجاز وتستلزمه أولا المعتمد هو الأخير كما صرّح به علم الهدى وابن زهرة بل الظاهر اتفاق القوم عليه مفتاح إذا قامت قرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقي ولم يتمكن من حمل اللَّفظ عليه لزم حمله على المعنى المجازي كما صرّح به في النهاية والتهذيب والقواعد ومنية اللَّبيب وجامع المقاصد وتمهيد القواعد ولهم وجوه الأوّل ظهور الاتفاق عليه الثاني تصريح فخر الإسلام في الإيضاح بأن ذلك قاعدة أهل اللَّغة المطردة الثّالث ما أشار إليه في النهاية والإيضاح وجامع المقاصد من أنه لو لم يحمل على المعنى المجازي بعد تعذّر الحمل على الحقيقة للزم إهمال اللَّفظ والحكم بكونه لغوا وذلك باطل فتعيّن الحمل على المجاز ولا فرق فيما ذكر بين الخطاب الوارد من المعصوم عليه السلام وغيره كالوكيل والموصي والمقرّ واحتمال الغفلة والهذوية ونحوهما ممّا يمنع ممّا ذكرت مدفوع بالأصل وغلبة خلاف ذلك وحجيّة هذا الظنّ مما لا ريب فيه وعلى هذا لو قال أوصيت بهذا لولدي ولا ولد له بل له ولد الولد وهو يعلم بذلك وجب الحمل على المجاز وهو ولد الولد على تقدير كونه مجازا وقد صار إليه العلامة في القواعد والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ومنع من ذلك في الإيضاح محتجّا بأنّ الأصل صيانة مال الغير إلَّا بناقل قطعيّ أقوى من الأصل المذكور وبأنّ المجاز على خلاف الأصل فلا يرجح على ما يبنى على الاحتياط التام وهو التصرّف في مال الغير والحكم بنقله عنه وهما ضعيفان نعم إذا حصل الشكّ بالمعنى المتعارف في إرادة المجاز وكان احتماله مساويا لاحتمال غيره اتجه ما ذكره واعلم أنه لا يكفي في الحكم بالمجاز مجرّد امتناع تعلَّق الحكم المعلَّق على اللَّفظ بالمعنى الحقيقي لجواز أن لا يعتقد المتكلَّم بالامتناع والمعتبر اعتقاد المتكلَّم كما لا يخفى ونبّه على هذا المحقّق الثّاني في جامع المقاصد فالشّرط في الحمل على المجاز ظهور عدم إرادة المتكلَّم الحقيقة وظهور إرادة المجاز إذا عرفت هذا فاعلم أن المجاز الَّذي يجب حمل اللَّفظ عليه بعد تعذّر حمله على الحقيقة على أقسام منها أن يكون متحدا بمعنى أنّ ما يصحّ التجوز فيه لا يكون إلَّا واحدا باعتبار اشتماله على العلاقة المصحّحة للتجوّز دون غيره وهنا لا إشكال في لزوم حمل اللَّفظ عليه بعد تعذر حمله على معناه الحقيقي ووجهه واضح وقد صرّح بلزوم الحمل على ذلك في النهاية محتجّا بأنّه لو لم يحمل عليه يلزم الإلغاز ومنها أن يكون متعددا بمعنى أن ما يصحّ التجوز فيه يكون متعدّدا باعتبار اشتمال الجميع على العلاقة المصحّحة ويقوم قرينة معتبرة على إرادة واحد منها بالخصوص وهنا لا إشكال في لزوم الحمل عليه سواء كان مجازا قريبا أم بعيدا وقد صرّح بذلك في النهاية ومنها أن يكون متعدّدا ويقوم قرينة على عدم إرادة ما عدا واحد منها وهنا لا إشكال في لزوم الحمل على ذلك الواحد كما صرّح به في النهاية فلا يشترط في قرينة المجاز أن تكون صارفة ومعيّنة ولا فرق بين أن يكون ذلك الواحد مجازا قريبا أم بعيدا ومنها أن يكون متعدّدا ولا يقوم قرينة على